ابن عربي
314
مجموعه رسائل ابن عربي
العلية قرب منه أعداءه حتى يعظم جهاده لهم وليشغل بمحاربتهم أولا ثم بمحاربة غيرهم من الأعداء الذين هم منه أبعد قال اللّه تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وحظ الصوفي وكل موفق من هذه الآية أن ينظر فيها إلى نفسه الأمارة بالسوء التي تحمله على كل محظور ومكروه وتعدل به عن كل واجب ومندوب للمخالفة التي جبلها اللّه عليها وهي أقرب الكفار والأعداء إليه فإذا جاهدها وقتلها أو أسرها حينئذ يصلح له أن ينظر في الأغيار على حسب ما يقتضيه مقامه وتعطيه منزلته فالنفس أشد الأعداء شكمية وأقواهم عزيمة فجهادها هو الجهاد الأكبر فمن ثبت قدمه في ذلك الزحف وتحقق بمعنى ذلك الحرف انتهض بهم في الملكوتي مليكا وكان له الملك جليسا غير أن هذه النفس العدوة الكافرة الأمارة بالسوء لها على الإنسان قوة كثيرة وسلطان عظيم بسيفين عظيمين ماضيين تقطع بهما رقاب صناديد الرجال وعظمائهم وهما شهوتا البطن والفرج اللتان قد تعبدتا جميع الخلائق وأسرتهم ومن عظمهما وكبير فعلهما حتى أفراد لهما الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي ( رضي اللّه عنه ) كتابا سماه كسر الشهوتين في إحياء علوم الدين له وكذلك اعتني بهما كبار العلماء ( رضي اللّه عنهم ) والذي يتوجه عليك في هذا الباب أن تبدأ بالحسام الواحد الذي هو البطن ثم يليه الفرج بكراماته ومنازله كما تقدم في الأعضاء التي ذكرناها . فاعلم يا بني أيدك اللّه بجنود التأييد ونصرك على إحياء كلمة التوحيد أن اللّه تعالى قد سلط على هذا العبد الضعيف المسكين المسمى بالإنسان شهوتين عظيمتين وآفتين كبيرتين هلك بهما أكثر الناس هما شهوة البطن والفرج غير أن شهوة الفرج وإن كانت عظيمة وقوية السلطان فهي دون شهوة البطن فإنها ليست لها تأييد لأمر سلطان شهوة البطن فإن غلب هذا العدو البطني يقل العتب مع الفرج بل ربما يذهب له ذهابا كليا فهذه الشهوة البطنية تجعل صاحبها أولا يمتلئ من الطعام مع علمها أن أصل كل داء البردة دينيا كان أو طبيعيا فالداء الطبيعي الذي تنتجه هذه البردة هو فساد الأعضاء من أبخرة فاسدة يتولد منه آلام وأمراض مؤدّية إلى الهلاك كما حكي عن سليمان بن عبد الملك بن مروان وكان ذا نهمة في الطعام فخرج يوما فوجد دابه عليها زنبيل فيه بيض طبيخ فدعا بتين وهو راكب فما زال يقرن التين بالبيض حتى أتر على آخر ما كان في الزنبيل فوجد لذلك ثقلا في معدته أهلكه وأورثه القبر فانظر هذه الشهوة كيف ساقت إليه حتفه نسأل اللّه العافية في الدين والدنيا والآخرة قيل للشبلي ( رضي اللّه عنه ) أن ابنك يشم البارحة من كثرة